اليقظة الدوائية

اليقظة الدوائيّة في ظل تحديات كوفيد-19

Pharmacovigilance in light of the challenges of COVID-19

إعداد الدكتورة الصيدلانية ريم العيسى
دكتوراه في تنظيم شؤون الدواء، ماجستير في التيقظ الدوائي وعلم الأوبئة الصيدلاني، ماجستير إدارة أعمال تخصص إدارة عامة واستراتيجية، مدير إدارة تفتيش الأدوية، وزارة الصحة الكويتية

الإشراف والتدقيق العلمي الدكتور رامز القضماني

مقدمة

أحدثت جائحة كوفيد-19 COVID-19 Pandemic دماراً عالمياً على جميع الأصعدة الصحية والسياسيّة والأمنيّة والاقتصادية، دماراً شاملاً لم يسبق له مثيل. وكونه فيروس مستجد ويتميز بسرعة غريبة في الانتشار، فهذا يعني أنّ التوصل لعلاج جديد فعال وآمن ومخصص لعلاج مرضى كوفيد-19 بسرعة تضاهي سرعة انتشاره يعتبر تحدياً كبيراً للعالم بأسره. لذلك ومن أجل عامل الوقت، فقد كان التوجه الوحيد الذي اضطر أن يأخذه العلماء ومختصي الرعاية الصحية وكبرى الشركات الدوائية هو إعادة استخدام علاجات دوائية معتمدة للقضاء على الفيروس أو لعلاج مضاعفات المرض وإجراء دراسات سريرية على أدوية سبق استخدامها وأظهرت فعالية في علاج أمراض فيروسية أخرى ولو بشكل بسيط. بالإضافة إلى ذلك، اضطرت الشركات الدوائية وهيئات ومراكز البحث العلمي العالميّة إلى تقليص مدة الدراسات السريرية التي تجرى على اللقاحات من أجل التوصل للقاح فعال وآمن بأسرع وقت ممكن لإنقاذ العالم من الهلاك الذي سببه هذا الفيروس والعودة للحياة الطبيعية كما في السابق!

تأثير الجائحة على اليقظة الدوائية Pharmacovigilance

سبب هذا الوضع العصيب التأثير على إجراءات اليقظة الدوائية Pharmacovigilance مما حدّ من فرص الحفاظ على سلامة المرضى. لتجنب الوصول لهذا الحد من الخطر، قررت مؤسسات وهيئات الرقابة الدوائية المتقدمة مثل EMA و FDA وMHRA عمل تقييم ومراجعة لإجراءاتها ومنحت أولويات لتقارير السلامة لجميع أنواع التفاعلات الدوائية الضارة Adverse Drug Reactions والتأثيرات الجانبية  Side Effects وكل المشاكل المتعلقة بالدواء، خاصةً ما يتعلق بعلاجات كوفيد-19. من التحديات الأخرى التي بثت القلق في القطاع الصحي، الحالات المرضية والعلاجات الدوائية غير المتعلقة بكوفيد-19 حيث برز القلق من عرقلة سلسلة الموردين للمواد الدوائية الفعالة (APIs) ممّا قد يؤدي لنقص في إنتاح الأدوية الأصلية والمماثلة على حدٍ سواء. نذكر أيضاً الخوف من تعرُّض أصحاب الأمراض المزمنة (كأمراض القلب والشرايين والسكري وأمراض الروماتيزم) لتفاعلات خطيرة بسبب أدويتهم بالإضافة إلى خطر إصابتهم بكوفيد-19!

تأثر صناعة المواد الدوائية الفعالة خلال جائحة كوفيد-19

يلعب العبء المالي الذي تتكبده الأنظمة الصحية بسبب جائحة كوفيد-19 دوراً في إحداث تحول ملحوظ في شؤون تنظيم تداول الدواء؛ فقد يهدد غلق منافذ أكبر دولتين (الهند والصين) في إنتاج المواد الدوائية الفعالة والأدوية المماثلة (الجنيسة) Generic Medicines بإحداث نقص في الأدوية حول العالم ويعد هذا الأمر مقلقاً للغاية. تُنتج الصين والهند أكثر من 75% من المواد الدوائية الفعالة المستخدمة في صناعة الدواء في الدول الأوروبية، كما تشكل الهند ما يعادل 30% من مصانع المواد الدوائية الفعالة والمسجلة في الولايات المتحدة الأمريكية من قبل إدارة الدواء والغذاء الأمريكية FDA. توفر الهند 40% من الأدوية المماثلة في العالم لوحدها، وقبل تأثرها بالجائحة، كانت تعمل جاهدةً على زيادة إمكانيات تصنيع المواد الفعالة لتقلل من اعتمادها على الصين في التصنيع الدوائي. في المقابل نجد أنّ الدول الأوروبية كانت متحمسة لعودة تصنيع الدواء على أراضيها للحد من الاعتماد على المواد المستوردة، لكن قوبل هذا الشيء في الولايات المتحدة الأمريكية بشيء من المعارضة. مع هذا، فقد لوحظ في السنوات الأخيرة التي سبقت جائحة كوفيد-19 توالي سحب أدوية تحتوي على شوائب مسرطنة (NDMA) مثل: Valsartan وRanitidine وMetformin بسبب تصريحات إدارة الدواء والغذاء الأمريكية FDA بعد إجراء تحاليل مخبرية على مكوناتها.

لمحة عن الشائبة المسرطنة NDMA

مادة N-Nitrosodimethylamine (NDMA) هي مادة كيميائية عضوية موجودة بنسب بسيطة جداً في بعض الأغذية المصنعة وكناتج ثانوي عن عمليات التصنيع الغذائي ومعالجة المياه (كمعالجة مياه المجاري وكلورة المياه، والمعالجة بالأوزون)، كما أن هذه المادة تستخدم في المعامل والمختبرات الدوائية لخلق السرطان في فئران التجارب. ذكرت مراكز مراقبة ومنع العدوى في الولايات المتحدة الأمريكية Centers for Disease Control and Prevention (CDC) أنّ مادة  NDMA قد تؤدي إلى الاضرار بالكبد. يوجد نسبة محددة وبسيطة جداً لهذه المادة يُسمح بتعرض الانسان لها؛ فقد حددت هيئة حماية البيئة في الولايات المتحدة الأمريكية Environmental Protection Agency (EPA) في الولايات المتحدة الأمريكية النسبة الآمنة والمسموح بها من NDMA في ماء الشرب لتكون 7 نانو غرام (7 في البليون من الغرام) لكل لتر واحد من الماء، كما شدّدت FDA على التأكد من خلو الأدوية تماماً من هذه الشائبة المسرطنة.

بعد ظهور هذه الشائبة المسرطنة، تمّ إجراء مسح شامل لجميع المستحضرات التي تحتوي على هذه المواد الفعالة من مختلف الشركات الدوائية المصنعة لكل الأسماء التجارية المصرح بتداولها وسحب الكثير منها بعد ثبوت احتوائها على شوائب مسرطنة إمّا سحباً إجبارياً من الهيئات ومؤسسات الرقابة الدوائية والغذائية في مختلف دول العالم أو سحباً طوعياً من الشركات المصنعة. ما يثير الدهشة والقلق أن جميع الأدوية التي تحتوي على شوائب مسرطنة هي من مواد صيدلانية فعالة تنتجها شركة صينية هي Zhejiang Huahai Pharmaceutical وتستخدمها كبرى الشركات المنتجة في تصنيع الأدوية بمختلف أسمائها التجارية المصرح بتداولها في الأسواق العالمية. يجدر بالذكر أن هذه الأدوية هي أدوية ضرورية تعالج أمراضاً مزمنة ويأخذها المرضى مدى الحياة، وانقطاعها المفاجئ قد يشكل خطورة على حياتهم. يتبين لنا مما سبق ذكره المدخل العلمي الذي اتخذته الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا قبل الجائحة للبدء في استراتيجية التصنيع المحلي والحد من الاعتماد على استيراد المواد الفعالة من الخارج؛ فتمّ تعليق تراخيص الأدوية التي تحتوي على شوائب ضارة وسحبها من الأسواق. من المتوقع إعادة تصنيعها ذاتياً بموادها الفعالة بعد التأكد من مطابقتها للمواصفات والمعايير المعتمدة عالمياً من حيث الجودة والفعالية والسلامة على حدٍ سواء. وبذلك تكون الاستفادة في خفض التكاليف المالية التي تتحملها تلك الدول بسبب استيراد المواد الفعالة، والاعتماد على التصنيع المحلي وتحقيق الاكتفاء الذاتي من الأدوية، وإمكانية تصدير المواد الفعالة والأدوية المصنعة للخارج. الأهم من ذلك كله هو الارتقاء بجودة وفعالية وسلامة الأدوية والمواد الدوائية الفعالة والمصنعة محلياً، عن طريق تسهيل متابعتها من قبل السلطات الصحية المعنية برقابة الأدوية ومطابقتها للمعايير والمواصفات المعتمدة عالمياً. تعززت هذه الإجراءات بظهور جائحة كوفيد-19 التي أحدثت ذعراً بسبب إجراءات غلق المنافذ وتوقف الكثير من عمليات التبادل التجاري التي هددت العالم بعرقلة التصنيع الدوائي وانقطاع الأدوية من الأسواق.

اللجوء للأدوية المماثلة خلال الجائحة كخيار بديل

هناك مفهوم خاطئ حول الأدوية المماثلة (الجنيسة) Generic Medicines بأنها لاتعمل بنفس فعالية الأدوية الأصلية Brand Medicines رغم أنها تخضع لدراسات تثبت بأنها متكافئة حيوياً Bioequivalent مع الأدوية الأصلية. تكمن المشكلة في التوجه العالمي للأدوية المماثلة لخفض تكاليف الرعاية الصحية، ممّا يؤدي إلى الاضطرار لتغيير وصفة المريض وتحويلها من دواء لآخر بسبب عدم توفر دواءه المعتاد. قد يعرّض ذلك المريض لحوادث دوائية بسبب تحويله من دواء أصلي إلى دواء مماثل (أو من دواء مماثل لآخر) رغم كون ذلك نادر الحدوث. لتجنب النقص في الأدوية المتوفرة للمرضى، قد تغير بعض الدول استراتيجية إدارة المخزون الدوائي للتركيز على استبدال الأدوية الأصلية بالمماثلة خصوصاً مع استمرار الجائحة وتأثيرها السلبي على الاقتصاد بشكل عام والتصنيع الدوائي بشكل خاص.

أمور ينبغي أخذها بعين الاعتبار عند استخدام الأدوية المماثلة:

  1. يستوجب على المرضى ومختصي الرعاية الصحية تعزيز إجراءات الابلاغ عن المشاكل المتعلقة باستخدام الأدوية المماثلة للجهات الرقابية المعنية بالتيقظ الدوائي.
  2. يستوجب على الشركات المنتجة للأدوية المماثلة أن تكون متيقظة جداً لكل ما ينشر عن المواد الدوائية الفعالة وغير الفعالة المستخدمة في تصنيع الأدوية المماثلة، ومتابعة السلامة الدوائية بشكل عام خصوصاً مع استمرار الجائحة وزيادة الحاجة لخفض التكاليف المالية واحتواء ميزانية الأدوية.

الخلاصة

سلطت جائحة كوفيد-19 الضوء على دور اليقظة الدوائية الهام في رصد وكشف وتقييم التفاعلات الدوائية وجميع المشاكل المتعلقة بالدواء، فجاءت بكل مفاجآتها ووضعت حداً للتعامل مع أمور عديدة كانت غير واضحة المعالم، وأظهرت أهمية تعزيز الإجراءات التي تضمن سلامة الدواء من أجل حماية الصحة العامة والمحافظة على سلامة المرضى.

لنشر مقالاتك العلمية، يمكنك مراسلتنا عبر الإيميل: 
cpe4ever@gmail.com

‫5 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error:
إغلاق